زيارة بابا السلام .. (1/2)

 

ملصق الزيارة، وملصق الاتهام، بينما يقوم أحد رجال الدولة بتغطيته

 

في يوم السبت 4 فبراير 2017، ولأول مرة في التاريخ الكنسي، استيقظ سكان مدينة روما ليجدوا ملصقات كبيرة على جدران المدينة، عبارة عن صورة كئيبة للبابا فرنسيس عليها العبارة التالية: "لقد وضعت تحت سيطرتك العديد من المنظمات، واقلت عدة قساوسة معارضين، وفصلت رأس تنظيم فرسان مالطة، والفرنسيسكان، وتجاهلت كرادلة.. فأين رحمتك ؟". والإعلان "يتهم البابا باللؤم أمام الرأي العام ويتهمه بإدارة الكنيسة بطريقة سلطوية، عنيفة، تتعارض مع الرسالة الأساسية لباباويته، وهي الرحمة..: وانتشرت الحملات البوليسية لنزع الملصقات وبداية تحقيقات طمست معالمها ونتيجتها وآثارها.. فالبابا فرنسيس، مثله مثل من سبقه من باباوات، تم انتخابه لتنفيذ قرارات مجمع الفاتيكان الثاني، واهمها توحيد الكنائس، تنصير العالم والعمل على إقامة النظام العالمي الجديد..

وقبل مجيء البابا فرنسيس الى مصر بثلاثة أيام، شارك يوم 25 ابريل 2017، لأول مرة في التاريخ أيضا، في محاضرة متلفزة ببرنامج TED، الذي يذاع في نفس الوقت على جميع انحاء العالم، بعنوان: "الشعب الذي من أجله يمكن تصور المستقبل يضم العالم أجمع"، وهي صياغة ملتوية لعبارة النظام العالمي الجديد. كما انها محاضرة تقدم أهم العناصر التي تعنيه، واهمها تنصير العالم والتلاعب بمختلف نغمات عبارة "الآخر".. وعبر كلمات قوية محددة يدعونا البابا إلى تغيير نظرتنا تجاه الآخر، موضحا "ان المستقبل، قبل كل شيء، في أيدي أشخاص يعترفون بالآخر كأفراد، وهم أنفسهم كجزء منا.. نحن جميعا بحاجة إلى الآخر. فحيال مستقبل غير مؤكد، أمامنا المستقبل المسيحي. وبالنسبة للمسيحيين، المستقبل له اسم، وهذا الاسم هو الأمل. إن انسان واحد قادر على ان يحيي الأمل، وهذا الإنسان قد يكون أنت".. ومن الواضح ان الأمل بالنسبة للبابا هو مجرد المسيحيين، وان مسيحي واحد قادر على ان يحيي الأمل لتنصير العالم. وهو ما تمثله زيارته بالنسبة لمسيحيي الشرق الأوسط الذين باتت غالبيتهم في مصر..

ويقول كريستيان كنوييه، أستاذ اللاهوت وعالم المصريات والمتخصص في الجماعة القبطية، في مقال نشر في اليوم التالي للمحاضرة الباباوية، في موقع "عالم الأديان": "ان مستقبل المسيحية ليس في العراق أو سوريا أو لبنان وإنما في مصر.. وإن كان يقال ان المسيحيين هناك يمثلون 10% من التعداد، فهم في الواقع أقل من ستة ملايين. وهو ما يجعل منهم أكبر جماعة مسيحية في العالم العربي".. ويختتم كنوييه مقاله بأن "الإطار العام لزيارة البابا متوتر، فمصر بلد تعد فيه الحرية الدينية متاحة، لكن ليس حرية الضمير. بمعنى ان يغير الإنسان دينه بلا عقاب، إذ ان تفعيل المواطنة لن يكون مؤكدا إلا عندما يُسمح للفرد بتغيير ديانته أو الا تكون له ديانة".. وهي أحد المعاني المقصودة بالزيارة وبالمواطنة في المفهوم الكنسي والبابوي، وكانت من مطالب مجمع الفاتيكان الثاني.. او بقول آخر إما تنصير المسلمين أو جعلهم لا دينيين، أما الإسلام.. فمن الواضح انه لم يعد له مكان في أهدافهم.

أما حقيقة موقف البابا فرانسيس، بابا السلام، فنطالعه فيما قاله في لقائه ببعض ممثلي كنيسة اسكتلندا المعدّلة حول أحداث الكنيستين في عيد أحد السعف: "لقد تم قتلهم لمجرد انهم مسيحيون. إن دم اخوتنا هو شهادة إيمان، ولا يعني شيئا كونهم كاثوليك أو أرثوذكس أو لوثريون أو حتى أقباط: ذلك لا يعني شيئا بالنسبة لقاتليهم الذين لا يروا سوى أنهم مسيحيون. ولآن دمهم واحد، يؤمن بالمسيح، لنواصل اتحادنا المسكوني الذي يتم في اتحاد الدم. إن الشهداء ينتمون لكل المسيحيين". وهي عبارة أخرى يؤكد بها ضرورة ان يتخلى كل مذهب كنسي عن عقائده ليتحدوا بكاثوليكية الفاتيكان للقضاء على الإسلام، على حد قول البابا يوحنا بولس الثاني، الذي زار مصر من سبعة عشرة عاما..

تلك كانت الخلفية التي سبقت حضور البابا فرانسيس، أما قبل مجيئه بثلاثة أيام، وفي نفس اليوم الذي القى فيه محاضرته المتلفزة ببرنامج TED، وجه البابا رسالة بالفيديو للمصريين، يعلن فيها عن نفسه كصديق وحاج ورسول سلام قائلا: "أنني سعيد للمجيء في بلد آوى العائلة المقدسة منذ أكثر من ألفي عام. وأود أن تكون هذه الزيارة حضن مواساة وتشجيع لكل مسيحيو الشرق الأوسط. رسالة صداقة وأخوة ومصالحة لكل أبناء إبراهيم، خاصة بالنسبة للعالم الإسلامي، حيث تحتل مصر مكانة من الدرجة الأولى".

والغريب انه بعد ان استبعدتنا النصوص الكنسية من انتمائنا لسيدنا إبراهيم كمسلمين، عن طريق ابنه البكر سيدنا إسماعيل، ها هي الكنيسة الفاتيكانية تستخدم هذه الحقيقة المستبعدة، منذ ان أدركت ان الإسلام دين توحيدي فعلا، أنزله المولى عز وجل، بعدما تم العبث في التاريخ وفي نصوص الأناجيل. فالثابت تاريخيا ان اليهود حادوا عن رسالة التوحيد وعادوا لعبادة العجل وقتل الأنبياء، فأرسل الله نبيه عيسى بن مريم ليعيد الخراف الضالة للتوحيد، فهو القائل: "وما أتيت إلا من اجل خراف بيت إسرائيل الضالة" (متّى 15 : 24).. فيأتي البابا شكلا لمصالحة كل أبناء سيدنا إبراهيم، لحماية المسيحيين منهم، الى ان يتم تنصير المسلمين، فذلك هو مضمون الزيارة، زيارة السلام ونصوصها..  

ونظرا لأهمية وعدد الكلمات الترحيبية المتبادلة، التي اعترتها العديد من كلمات بعينها متكررة، فسأتناول أبرزها باختصار شديد، ومنها:

مصر مهد الرسالات الثلاثة

وردت عبارة "مصر التي مزجت بين رسالات السماء الثلاث"، او "مهد الديانات الثلاثة" في كل وثيقة من وثائق المتحدثين في هذه الزيارة المغرضة، وكأن هناك اتفاق مسبق بين من كتبوا هذه النصوص على إبراز أو تأكيد كلمات بعينها، لتثبيت وترسيخ بدعة وجود المسيحية في مصر منذ نشأتها أو ان مصر بكلها كانت مسيحية وفرض عليها الإسلام... فإن كانت الوصايا العشر قد أنزلت في طور سيناْ على سيدنا إبراهيم، فإن عيسى عليه السلام قد اُرسله المولى عز وجل "نبيا مقتدرا" كما تقول الأناجيل، في مدينة القدس بفلسطين، ليعيد خراف بيت إسرائيل الضالة" الى رسالة التوحيد.. أي انه لم يأت لتنصير العالم وإنما فقط للعودة باليهود المرتدين إلى رسالة التوحيد.. كما أرسل الله محمدا عليه الصلاة والسلام خاتما للمرسلين، لتبليغ رسالة التوحيد في الجزيرة العربية. فكيف تكون مصر مهد ثلاثتهم إن لم يكن المقصود بهذه الإشارة المتكررة طمس المعالم التاريخية لإثبات ان مصر مسيحية من قديم الأزل، وهو ما لم يحدث في أي حقبة زمانية من حقبات التاريخ ؟ فلقد ظلت مصر تحت الحكم الروماني الى ان تسلمها عمرو بن العاص من الحاكم الروماني. وكانت جالية اليهود ومن تنصر من الجالية اليونانية في مدينة الإسكندرية.

مرقس الرسول

تؤكد الكنيسة المصرية، وفقا للتراث، أنها قائمة على جهود القديس مرقس التبشيرية والذي حضر إلى مصر سنة 43 م ، أو فيما بين 61 و68 . وعبارة "وفقا للتراث" في جميع الأعراف تعني ان الكلام الذي يقال لا سند تاريخي له. فبعض الترث المسيحية نسجت الكثير من الروايات حول مرقس ومنها الكنيسة القبطية في مصر، كما توجد بعض الكنائس الشرقية التي تقول إن بطرس ومرقس كانا في مدينة بابل (العراق حاليا)، أي أن مرقس لم يحضر إلى مصر. وما أكثر ما قامت به الأيادي العابثة لإثبات إن مصر كانت مسيحية وتم تنصيرها منذ اللحظات الأولى، غير ان الوثائق التاريخية والأبحاث الأمينة التي يقوم بها علماء الغرب تؤكد عكس ذلك.

   أما عن مرقس، فتقول الموسوعة الكاثوليكية أنه لم يتم اختياره من قِبل الروح القدس، ولم تنتدبه كنيسة إنطاكيا مثل برنابا وبولس (اع 13: 2ـ 4)، وإنه اتجه مع برنابا إلى قبرص (اع 15: 37 ـ 40)، ثم انتهى ذكر مرقس في العهد الجديد إلى أن ظهر ثانية بعد عشر سنوات مع بولس في روما. وهو ما يتنافى مع فكرة أنه أتى إلى الإسكندرية ومات فيها وأن رفاته موجودة أو كانت موجودة وتمت سرقتها".. غير أن الملاحظ هو عدم التأكد حتى من شخصيته.. ثم تضيف: "لقد انتشر مؤخرا، في التراث، أن مرقس هو مؤسس كنيسة الإسكندرية". أى إنها قصص وافتراضات لا سند تاريخي لها.

 

زيارة العائلة المقدسة 

لقد سبق أن تناولت بالتفصيل أكذوبة "زيارة العائلة المقدسة" لمصر، فالسند الوحيد لهذه القصة إنجيل متّى فقط. وإن كان لهذا الحدث أهمية ما لكتبوها في كل الأناجيل مثلها مثل أحداث أخرى أقروها في مطلع القرن الرابع وما بعده. بل حتى تلك الشذرات الواردة تكشف استحالة حدوثها. فكل تحركات يوسف النجار والسيدة مريم وطفلها تمت بناء على "أحلام" في مختلف الروايات، حتى حينما نسجوا وجودها في مصر كان بناء على حلم أحد الأباطرة في القرن الرابع. ومجرد تصور رجل مسن ومعه سيدة ورضيعها، بدون مؤن او مياه، فما ان رأى يوسف الحلم نهض واخذ اسرته وهرب، ندرك مدى المصداقية التاريخية لهذه الفرية.

فمن المفترض ان يوسف النجار قد اتخذ طريقا غير آهل وسار مسافة خمسمائة كيلومترا، سيرا على قدميه، بينما السيدة مريم ووليدها على الحمار، بدون طعام أو مياه، ليصلوا من منطقة اليهودية في فلسطين إلى مصر.. خمسمائة كيلومترا سيرا على الأقدام، بلا مؤن وفي حر لافح! فهل هذا كلام يُعقل ام المقصود منه شيء آخر؟ وللعلم فهذه القصة برمتها غير موجودة في النسخة الكاملة للعهد الجديد المعروفة بالسينائية، والتي ترجع للقرن الرابع.. أي انها قد اُضيفت بعد ذلك التاريخ.

لصق الإرهاب بالإسلام

من اللافت للنظر ان مختلف العبارات المتداولة، بل وحتى أحاديث البابا، تمت صياغتها بحيث تبدو وكأن مصر أم الإرهاب ومسؤولة عن الإرهاب، لا بداخلها وحدها بل وحتى مسئولة عنه في العالم..  وأن "القضاء على الإرهاب يتطلب جهدا موحدا لتجفيف منابعه وهدم بنيته التحتية".. ترى هل هذه دعوة بها شيء من المنطق، أم انها تمثل أكذوبة الأكاذيب؟ أكذوبة المقصود منها اجتثاث الإسلام بالكامل توطئة لتنصير الدولة، فالعبارات صريحة واضحة. فعلى الرغم من بعض العبارات الفضفاضة فقد تم توجيه التهم مباشرة لارتباط الإرهاب بالأزهر وخاصة بالقرآن، وهو ما يتمشى مع ما مهدوا له في مصر قبل زيارة البابا، من إصرار صحفي شرس، حول تغيير الخطاب الديني واتهام النصوص بالإرهاب، وهي عبارة مقصود بها التلاعب بالقرآن الكريم وليس أسلوب عرضه على الناس، وغيره من المطالب..

الحوار الديني

من الغريب ان تتردد أيضا عبارة ضرورة تفعيل "الحوار بين الأديان" بين الأزهر والفاتيكان، الذي بدأ بالفعل منذ فترة، بعد انقطاعه عدة سنوات.. عاد الحوار مع الفاتيكان الذي كان قد توقف إثر محاضرة راتسبون، التي سب فيها البابا السابق بنديكت 16 الإسلام وسيدنا محمد عليه صلوات الله، سبهم عمدا متعمدا بنقل استشهاد يقول ذلك. والاستشهاد لا يقفز وحده من أى مرجع ليستقر تحت قلم الكاتب وإنما الكاتب هو الذي يختاره ويدخله في النص الذي يكتبه..  ولم يعتذر بنديكت 16 عن هذا الجُرم، وإنما تأسف لرد فعل المسلمين !. فالحوار في نصوص مجمع الفاتيكان الثاني يعني كسب الوقت على ان يتم لهم ما يريدون..

موقف تواضرس الثاني

وأبدأ هنا بالإشارة إلى جملة مريرة، أقل ما توصف به أنها توصمه بعبارة "مشعل الحرائق".. ففي خطابه الذي ألقاه لاستقبال البابا في الكنيسة قال: "(...) أهلا بكم في أرض مصرنا الحبيبة التي تدفع كل لحظة ضريبة الدم من زكىّ الدماء وزهرة الشباب لأجل أن تبقى أرض السلام للجميع".. في كل لحظة أيها البطريرك الأمين على دينك وأتباعك ؟! لقد صدق من قال أنه "ما من كنيسة تضرب إلا بالاتفاق"، فبعد كل جريمة تحصدون مزيدا من المكاسب التي لم يكن من الممكن ان تمر إلا على انها نوع من الترضية والمواساة..

 

التنازلات في العقيدة القبطية

وفي بادرة شديدة الوضوح تؤكد وتثبت في آن واحد ان هذه المسيحية تتبدل وتتشكل، منذ ابتدعوها وحتى يومنا هذا، تتبدل وتتشكل وفقا للمصالح والظروف والأغراض السياسية. فقد وقّع البابا فرنسيس والبطريرك تواضرس الثاني على وثيقة تنازل الكنيسة القبطية عن التعميد الثاني. وهو أحد الأسرار السبعة للكنيسة القبطية. واُدرجت هذه الواقعة في آخر فقرة من الاتفاقية. وتم تعليل ذلك على انها "تقارب بين الكنيستين" وليس تلاعبا بالعقائد.. والغريب أن يرى فيها "الاتحاد العام لأقباط من أجل الوطن" أنها تمثل أساسًا مشتركًا للسعي نحو تحقيق الوحدة بين الكنيستين بالسعي والعمل على عدم إعادة المعمودية بينهما". بينما قال الأب رفيق جريش انها تمت لتسمح بالزواج بين العقيدتين !. وقد أعرب البطريرك تواضرس الثاني فرحاً عن "أمله في أن يتم توحيد الإفخارستيا قريبا" وفقا لكاثوليكية روما طبعا.

وشيئا فشيئا ستذوب الكنائس المنشقة في حضن الفاتيكان مثلما يذوب الملح في الماء..

 

ترحيب كاشف

أشار البطريرك القبطي الكاثوليكي إبراهيم سيدراك في كلمة ترحيبه بالبابا فرنسيس، الى حسن اختياره لاسم القديس فرانسيس الأسيزي، رجل السلام، الذي حضر إلى مصر سنة 1219، أيام الحرب الصليبية ليلتقي السلطان الكامل، قائلا: "لقد اخترت اسم فرانسيس لتتّبع خطى فرانسيس الأسيزي الذي سنحتفل قريبا بمرور ثمانية قرون على مجيئه مصر مناديا للسلام، مثل مجيئك".. إلا ان البطريرك القبطي الكاثوليكي الأمين قد تناسى ان فرانسيس الأسيزي قد اتى مصر لتنصير السلطان الكامل، وهو الثابت حتى في اللوحات الفنية.. لكنه استشهاد يؤكد معنى زيارة بابا الفاتيكان الأسيزي بوجهيه.. ثم أشار البطريرك الى زيارته هو وأعضاء من الكنيسة القبطية الكاثوليكية للبابا فرنسيس، في فبراير الماضي، لإعلان تضامنهم معه ومع سياسته الداعية "للسلام"..

 

تري هل فهمنا معني زيارة "بابا السلام في ارض السلام"، تلك الزيارة التنصيرية التي لم تتم إلا لتحميل الإسلام وزر ومسؤولية الإرهاب ؟!.

 

زينب عبد العزيز

2   مايو 2017